حيدر حب الله

393

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

أ - فإذا تمكّنا من تحصيل هذا الرجوع بالعلم ، أي كان ما توصّلنا إليه في الكتاب والسنّة علما ويقينا فبها ونعمت ، وقد حصل المطلوب . ب - وإذا عجزنا عن الوصول إلى العلم ، لزم علينا تحقيق الرجوع الظني إليهما ، إذ لو لم نتعامل معهما بالظن لما أمكننا امتثال الأمر الإلهي بالرجوع إليهما ، فسبيلنا الوحيد والبديل الفريد عن العلم في هذا الأمر هو الظن ، إذا فنأخذ بأخبار الآحاد ؛ لأنها تحقق لنا - إذا رجعنا إليها - رجوعا ظنيا إلى الكتاب والسنّة ، وهو المطلوب لتفريع ذمتنا عن مسؤولية هذا الوجوب الإلهي « 1 » . ويؤكّد لنا هذا الدليل الفرضية التي تبنيناها سابقا من أن فكرة دليل الانسداد لعبت دورا في تكوين الأدلة العقلية على أخبار الآحاد ، ونستعين لتأكيد ذلك بالمناقشة التي سجلّها غير واحد من العلماء على هذا الدليل - ومنهم الشيخ الأنصاري - إذ اعتبره مساويا لدليل الانسداد ، لأنه لا يثبت أخبار الآحاد فحسب ، بل يثبت كل رجوع ظني إلى حكم اللّه المتمثل بالكتاب والسنة بأقسامها الثلاثة ، وإلا فما معنى إدخال الكتاب في الحسبان ؟ ! « 2 » ، فكأن تقي الرازي وقع تحت تأثير مقولة الانسداد ، فأراد إنتاج حجية الخبر الواحد ، لكنه جرّ جرّا إلى إثبات حجية مطلق الظن ، سواء جاء من خبر الواحد أو من غيره ، لأن أي ظن بحكم اللّه هو رجوع اضطراري - بعد فقدان العلم - إلى الكتاب والسنّة ، اللذين يعبران عن مصادر الدين ومراجعه الأولية . فإذا كان الفاضل التوني قد وقع تحت تأثير القلق من انهدام الدين مع التخلّي عن فكرة الآحاد ، فإن الرازي الأصفهاني قد وقع داخل السياق الانسدادي في الفكر الشيعي ، وهو أمر غير بعيد أبدا ، ذلك أن من يراجع كتاب هداية المسترشدين للأصفهاني يعرف جيدا كم أخذت موضوعات الانسداد من حيز في هذا الكتاب ، وكم شغلت بال مؤلّفه حتى استوعبت عددا كبيرا من صفحات الجزء الثالث والأخير منه ، إضافة إلى أن عصر الأصفهاني يمثل عصر ازدهار موضوعة الانسداد في العقل الشيعي . لكن بعض العلماء لم يرتض هذا الدليل فرآه اما راجعا إلى الدليل القادم أو مساويا لدليل الانسداد ، وهناك ملاحظات أخرى ناقدة « 3 » ، وللإنصاف في كلامه شيء من

--> ( 1 ) - محمد تقي الرازي الأصفهاني ، هداية المسترشدين 3 : 373 - 374 ؛ وراجع أيضا : كفاية الأصول للخراساني : 352 . ( 2 ) - الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 172 - 173 . ( 3 ) - انظر : الأصفهاني ، الفصول الغروية : 277 ؛ والعراقي ، نهاية الأفكار 3 : 143 ؛ والنائيني ، فوائد الأصول 3 : 212 - 213 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 214 ؛ ودراسات في علم الأصول 3 : 201 ؛ وناصر مكارم الشيرازي ، أنوار الأصول 2 : 468 ؛ وعبد الكريم الحائري ، درر الفوائد 2 : 397 ؛ والسبزواري ، تهذيب الأصول 2 : 114 - 115 ؛ والإيرواني ، نهاية النهاية 2 : 88 .